الشيخ عبد الغني النابلسي

222

جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص

تلك الأجزاء بالكلية ليكشف لها بعد الموت عن قدرته النافذة في كل شيء ، وذلك في ضعيف الروح عن الكشف المذكور في حال الحياة ، ومن كشف في حياته عن ذلك فكان متحققا في نفسه بلا حول ولا قوّة إلا باللّه لا يفنى جسده بعد الموت وتبقى روحه ممسكة لأجزائه بقدرة اللّه تعالى القائمة بها في الحياة وبعد الموت ، كرامة لها عند اللّه تعالى وهم الأنبياء والأولياء ، لتحققهم بذلك في الحياة الدنيوية ، والشهداء لتحققهم عند الموت وشهودهم له ، بذلك سموا شهداء ، ودخل في الأولياء العلماء العاملون ، والمؤذنون المحتسبون ، وغيرهم ممن لا يبلوا في قبورهم فيأخذه ، أي اللّه تعالى ذلك الميت إليه سبحانه ، أي حضرته ويذيقه سطوة تصرفه فيه ويغيبه عن شهود تصرف الواسطة في ظاهره وباطنه . وليس المراد ، أي المقصود من الموت إلا أن يأخذه الحق تعالى ، أي يأخذ الإنسان إليه سبحانه ، فيشهده حضرته ويغيب عن نفسه بالكلية . قال تعالى : وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ [ هود : 123 ] الإلهي الواحد الذي كل شيء صورته ، فهو من حيث ما هو قيوم واحد أمر ، ومن حيث ما هو كل شيء بالصور المختلفة في الحس والعقل خلق ، فالخلق ما ظهر والأمر ما بطن وما ظهر هو عين ما بطن ؛ ولهذا أكده من حيث ظهوره بقوله كله ، أي لا يبقى شيء إلا ويرجع إليه بسبب رجوع الأمر الواحد إليه ، فإن نور الشمس إذا رجع إليها رجعت جميع الشعاعات كلها إليها وانقبضت في الحال بعد انبساطها على أقطار الأرض برا وبحرا . فإذا أخذه ، أي أخذ الحق تعالى ذلك الإنسان إليه سبحانه سوّى ، أي خلق اللّه تعالى له ، أي لذلك الإنسان مركبا بالتشديد ، أي بدنا آخر مؤلفا من أجزاء أخرى لطيفة برزخية غير هذا المركب بالتشديد أيضا ، أي البدن الذي كان فيه أو بالتخفيف ، أي بدنا أيضا يركبه هذا الإنسان يعني يستولي عليه ويتصرف فيه كما يستولي صاحب الدابة على دابته ويتصرف في تحريكها وتسكينها غير هذا المركب ، أي البدن الذي كان متوليا عليه وراكبا له في الدنيا من جنس الدار البرزخية التي ينتقل إليها هذا الإنسان بعد الموت وهي دار البقاء وعدم الزوال لوجود الاعتدال ، أي تساوي أجزاء تلك النشأة الأخروية بسبب القوّة الروحانية وتحققها بما هو الأمر عليه في نفسه وزوال الوهم والالتباس فلا يموت ذلك الإنسان بعد هذا الموت أبدا أي لا تفرّق أجزاؤه بعد هذا الافتراق أصلا إذ المقصود قد حصل وهو الرجوع إلى اللّه تعالى بتحقيق أن لا فاعل غيره ذوقا من نفسه . قال تعالى : لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولى [ الدخان : 56 ] . * * *